عبد الشافى محمد عبد اللطيف

85

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

بنو مظعون من بني جمح ، وبنو جحش بن رئاب حلفاء بني أمية ، وبنو البكير من بني سعد بن ليث حلفاء بني عديّ بن كعب ، فإن دورهم غلّقت بمكة هجرة ليس فيها ساكن ، ولما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم عدا عليها أبو سفيان بن حرب فباعها من عمرو بن علقمة أخي بني عامر بن لؤي ، فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم ذكر ذلك عبد اللّه بن جحش لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ألا ترضى يا عبد اللّه أن يعطيك اللّه بها دارا خيرا منها في الجنّة ؟ » قال : بلى ، قال : « فذلك لك » « 1 » . وهكذا لم يكتف المشركون من قريش بطرد المسلمين من ديارهم ، وإنما أوغلوا في أذاهم فأضافوا ذلك الألم النفسي الذي يعانيه الإنسان الحر عندما يعلم أن داره اغتصبت منه ، وأن غيره يتصرف فيها ويبيعها ، حارما له من أبسط حقوق التصرف في الملك . وهذا هو الصحابي الجليل صهيب رضي اللّه عنه لا يطيق صبرا على فراق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا يحتمل البقاء بعده في مكة ، لكن المشركين لم يسمحوا له بالخروج من مكة إلا بعد أن أخذوا كل ما يملك ، وقالوا له : أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا ، وبلغت الذي بلغت ، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك ؟ واللّه لا يكون ذلك ، فقال لهم صهيب رضى اللّه عنه : أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلّون سبيلي ؟ قالوا : نعم . قال : فإني جعلت لكم مالي . . . وخرجت حتى قدمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بقباء قبل أن يتحوّل منها ، فلما رآني قال : « يا أبا يحيى ربح البيع » فقلت : يا رسول اللّه ما سبقني إليك أحد وما أخبرك بذلك إلا جبريل عليه السّلام « 2 » . وهكذا كان صحابة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لم يكن شيء أحب إليهم من اللّه ورسوله وجهاد في سبيله ، ألم يقل سعد بن أبي وقاص ، فاتح العراق رضي اللّه عنه غداة دخول المدائن عاصمة الأكاسرة ، وهو يجول ببصره فيما احتواه القصر الأبيض « 3 » - حيث كان يحكم الطغاة المستبدون من أكاسرة الفرس - من نفائس وتحف ومتع ، ألم يردد وقد أخذه العجب والدهش مما رأى قول اللّه تعالى : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ( 27 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ ( 28 ) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ [ الدخان : 25 ، 29 ]

--> ( 1 ) ابن هشام ( 2 / 116 ، 117 ) . ( 2 ) ابن كثير - السيرة النبوية ( 2 / 223 ، 224 ) . ( 3 ) انظر د . محمد حسين هيكل - الفاروق عمر ( 1 / 199 ) .